مجلس النواب الأميركي

«الشرق الأوسط»

بعد أشهُر «ثمينة ومكلِّفة» من التأخير، بالنسبة إلى أوكرانيا، يستعد مجلس النواب الأميركي، السبت، للمصادقة على مشروع قانون المساعدات الخارجية، بعد «نجاح» البيت الأبيض في إدارة مفاوضات «سرية» مع رئيس المجلس الجمهوري، مايك جونسون، أفضت إلى تجاوز اعتراضات «تجمع الحرية» المحافظ في الحزب الجمهوري.

 

 

وبعدما رفض 3 نواب جمهوريين من اليمين المتشدد في «لجنة القواعد» المعنية بطرح المشاريع، تدخَّل الديمقراطيون، في خرقٍ غير عادي للأعراف التي تسود عادةً عمل لجان المجلس، وصوَّتوا جميعهم لتمرير المشروع، حيث حصل في النهاية على 9 أصوات.

كان المشرّعون اليمينيون الذين سعوا إلى عرقلة المشروع في اللجنة قد فازوا بمقاعدهم فيها، كجزء من التنازل الذي قدمه العام الماضي رئيس مجلس النواب السابق، كيفن مكارثي، الذي اضطر إلى مساومتهم بعدما عارضوا انتخابه، ووافقوا على دعمه فقط بعد أن منحهم نفوذاً حاسماً فيها. وقال جونسون في وقت سابق إنه يتوقع تصويت المجلس، السبت. وقال في مقابلة مع قناة «نيوزماكس» اليمينية، ليلة الخميس: «أفضّل إرسال الرصاص إلى أوكرانيا بدلاً من إرسال جنودنا الأميركيين… لا نريد أن تكون لدينا قوات على الأرض، ويمكننا منع ذلك من خلال السماح للأوكرانيين بإبعاد بوتين».

وأكّد الكرملين، الخميس، أنّ المساعدات العسكرية الأميركية الموعودة لأوكرانيا والتي سيصوّت عليها مجلس النواب في واشنطن، السبت، بعد طول عرقلة، «لن تُغيِّر شيئاً» على أرض الميدان، حيث يحقّق الجيش الروسي تقدماً في هجومه.

نصر لبايدن وترمب

وفيما عُدَّ هذا التطور نجاحاً لإدارة بايدن، التي أدارت مفاوضات شاقة مع جونسون، الذي لم يمانع في مبدأ إرسال المساعدات إلى أوكرانيا لكنه كان يحاول تجنب المواجهة مع متشددي حزبه، قالت مصادر جمهورية إن جونسون لم يُقْدم على هذه الخطوة، إلّا بعدما حصل على «ضوء أخضر» من زعيم الحزب، الرئيس السابق دونالد ترمب، خلال اجتماعه به في مارالاغو بفلوريدا الأسبوع الماضي. وهو ما عُدَّ تغييراً أيضاً في مقاربة ترمب لملف أوكرانيا بعد نجاح الاتصالات «الداخلية والخارجية»، والنصائح التي تلقاها بضرورة دعمها، إذا كان يريد إنهاء حربها مع روسيا، وهي في موقع قوة.

وجاءت موافقة جونسون «المفاجئة» على تقديم المساعدات إلى أوكرانيا، وسط تحذيرات استخبارية من أن الأوكرانيين يعانون نقصاً شديداً في العتاد، ويفقدون الثقة في الولايات المتحدة بعد أشهُر من التأخير في تقديم أموال جديدة.

إذ حذَّر مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) ويليام بيرنز، من أن أوكرانيا قد تخسر الحرب ضد روسيا بحلول نهاية عام 2024 ما لم تقدم الولايات المتحدة لها مزيداً من المساعدات العسكرية.

ومع ذلك، وبعد مرور أكثر من عامين على غزو روسيا لأوكرانيا، طُرحت تساؤلات عن أسباب تراجع الحماسة الأميركية، خصوصاً من الجمهوريين، عن دعم أوكرانيا. بيد أن تقلب الموقف الأميركي من دعم الحلفاء، ليس أمراً جديداً، وهو ما جرى في الحرب في كوريا وفيتنام وأفغانستان. كما أن مسألة الفساد في أوكرانيا، الضارب في تقاليدها الموروثة عن حقبتها السوفياتية السابقة، والإقالات المتواصلة لكبار مسؤوليها، يثير ولا يزال، الكثير من التحفظات والتساؤلات لدى الرأي العام الأميركي عن جدوى تقديم الدعم لها.

انقسام ديمقراطي جمهوري

وحسب استطلاع لمؤسسة «غالوب»، أُجري في الفترة من 1 إلى 17 مارس (آذار) الماضي، ينقسم الأميركيون حول ما إذا كان دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا كافياً، وعمّا إذا كان من الضروري الاستمرار في دعمها في حرب، بات من شبه المحسوم أنها ستكون حرباً طويلة، حيث يعزز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين علاقاته مع الصين وإيران، وتشير تصريحاته إلى أنه لن يتوقف عند أوكرانيا. ومع ذلك، لا تزال الأغلبية تعتقد أن المساعدة على استعادة الأراضي الأوكرانية تستحق الجهد المبذول، مهما طال الزمن. ويؤكد الاستطلاع أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري، يحملان وجهات نظر مختلفة بشكل جذري حول هذا الموضوع، حيث يدعم الديمقراطيون مساعدة أوكرانيا أكثر من الجمهوريين.

وكما كان الحال منذ أغسطس (آب) 2022، فإن أغلبية واسعة من الديمقراطيين (77 في المائة) يفضلون مساعدة أوكرانيا على استعادة الأرض التي فقدتها لصالح روسيا. في المقابل، فإن 45 في المائة من الجمهوريين و47 في المائة من المستقلين يفضّلون ذلك، في حين تدعم أغلبية ضئيلة من كلتا المجموعتين الحزبيتين نهاية سريعة للحرب.

نمو «الانعزالية»

يقول جون هاردي، كبير الباحثين في الشأن الروسي، في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، المحسوبة على المؤسسة السياسية الجمهورية، إن الاستطلاع يؤكد أن نمو تراجع الدعم بين الجمهوريين، يعود في الأساس، إلى الاتجاه المثير للقلق داخل الحزب الجمهوري نحو «الانعزالية» التي تحمل شعار «أميركا أولاً».

وأضاف في حديث مع «الشرق الأوسط»: «هناك من يجادل بأن الولايات المتحدة بحاجة إلى قطع الدعم عن أوكرانيا حتى نتمكن من التركيز على مواجهة الصين. بعض الناس الذين يقدمون هذه الحجة يفعلون ذلك بحسن نية، ولكن البعض الآخر يبحثون ببساطة عن ذريعة لتبرير معارضتهم لمساعدة أوكرانيا. وفي كلتا الحالتين، تستطيع أميركا بكل تأكيد أن تدعم أوكرانيا وتايوان في وقت واحد». ويضيف هاردي: «علاوة على ذلك، فإن التراجع أمام بوتين قد يشجّع بكين في الواقع على استخدام القوة ضد تايوان. وليس من المستغرب أن يكون التايوانيون أنفسهم من المؤيدين الأقوياء للمساعدات الأميركية لأوكرانيا».

وفيما عدَّ البعض إصرار أميركا على عدم التورط في حروب جديدة يهدف إلى دفع الأوروبيين إلى تحمل مسؤولية أمن قارتهم وزيادة إنفاقهم العسكري حتى تتمكن من التفرغ للصين، منافسها الاستراتيجي، يرى آخرون أن أميركا ليست في وارد التخلي عن «مرجعيتها» تجاه القارة الأوروبية، في الوقت الذي تسعى فيه إلى «خلق» جيش، يتولى التصدي لروسيا، شبيه بالدور الذي تقوم به إسرائيل في المنطقة.

يقول هاردي إن روسيا والصين وإيران تشكّل تهديدات مختلفة، لكنّها متّحدة في رغبتها في إخراج الولايات المتحدة من الساحات الخلفية للدول الثلاث وتتمكن من التنمر على جيرانها. وهذا جزء من السبب وراء زيادة دعم إيران والصين لروسيا، والعكس بالعكس.

الحرب انتهت ولكن…

غير أن جورج فريدمان، الباحث السياسي الاستراتيجي، الذي يعد من بين كبار المستشارين السياسيين للإدارات الأميركية، يقول إن الحرب في أوكرانيا انتهت، لكن لا أحد يعرف كيف ينهيها. ويضيف قائلاً: «المشكلة أنْ لا أحد في وضع يسمح له بتحقيق هدفه، ولكنّ التوصل إلى تسوية سلمية قادرة على دعم نفسها أمر بالغ الصعوبة، إذ اتّبعت الولايات المتحدة نموذج الحرب العالمية الثانية، وتركز بدلاً من مطالبة روسيا بالاستسلام، وهو أمر غير ممكن بالنسبة لها، على علاقة تقوم على إعادة بناء روسيا بدلاً من تدميرها، فقد تنسحب موسكو من حرب انتهت، وكذلك واشنطن».

من ناحيته، يقول البروفسور فنغ يوجون، نائب عميد معهد الدراسات الدولية بجامعة «فودان» في شنغهاي، في مقالة في مجلة «إيكونوميست» نُشرت في 11 أبريل الجاري، إنه مع عدم تمتع روسيا وأوكرانيا بميزة ساحقة وتباين مواقفهما السياسية تماماً، فمن غير المرجح أن ينتهي القتال قريباً. ولكنْ هناك أمر واحد واضح: وهو أن الصراع يمثل نقطة تحول في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وسيكون له تأثير عالمي عميق ودائم.

ابتعاد الصين عن روسيا

ويضيف فنغ: «هناك أربعة عوامل رئيسية ستؤثر في مسار الحرب: الأول هو مستوى المقاومة والوحدة الوطنية الذي أظهره الأوكرانيون. والثاني هو الدعم الدولي لأوكرانيا. والعامل الثالث هو طبيعة الحرب الحديثة، حيث المنافسة تدور حول مزيج من القوة الصناعية وأنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات. والعامل الأخير هو المعلومات، وعندما يتعلق الأمر باتخاذ القرار، فإن فلاديمير بوتين يجد نفسه محاصَراً في شرنقة المعلومات، وذلك بفضل بقائه في السلطة لفترة طويلة». ويرى فنغ أن هذه العوامل مجتمعةً، تجعل هزيمة روسيا في نهاية المطاف أمراً لا مفرَّ منه. وبمرور الوقت، سوف تضطر إلى الانسحاب من جميع الأراضي الأوكرانية المحتلة، بما في ذلك شبه جزيرة القرم. ولا تشكل قدرتها النووية ضمانة للنجاح. وتساءل: «ألم تنسحب أميركا المسلحة نووياً من كوريا وفيتنام وأفغانستان؟».

وعن علاقات الصين مع روسيا، يقول فنغ إن المراقبين يشيرون إلى أن موقف الصين تجاه روسيا قد تَحوَّل من موقف «التعاون غير المحدود» الذي كان سائداً في أوائل عام 2022، قبل الحرب، إلى المبادئ التقليدية المتمثلة في «عدم الانحياز وعدم المواجهة وعدم استهداف أطراف ثالثة». وتُظهر هذه الرغبة أن الصين وروسيا دولتان مختلفتان للغاية. روسيا تسعى إلى تقويض النظام الدولي والإقليمي القائم عن طريق الحرب، في حين تريد الصين حل النزاعات سلمياً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *